الأربعين في قلب الحيّ
أحد المساجد يستضيف الوافدين للمشاركة في مراسم توديع القائد الشهيدفائزة ساساني خواه
المُتَرجَم آلياً، التنقيح: السيد محسن الموسوي
2026-07-29
كان أول ما لفت انتباهي حقائب الظهر، والحقائب الكبيرة، والبطانيات، والوسائد المنتشرة في أرجاء المسجد. وفي إحدى الزوايا جلست مجموعة من النساء بعباءاتهن الملوّنة يتبادلن الحديث بهدوء، بينما استسلم بعض المسافرين الذين أنهكهم عناء الطريق للنوم على سجاد المسجد. وكان الأطفال يتنقلون بين قسمي الرجال والنساء، في حين كان خَدَمة المسجد يقدّمون لهم الضيافة بكل محبة.
لقد اكتسب مسجد حيّنا، خلال أيام تشييع قائدنا الشهيد، أجواءً كانت تعيد إلى ذهني باستمرار مشاهد الأربعين الحسيني. فقد أصبح المسجد مقرًّا لإقامة العائلات والأفراد الذين قدموا من مدن وقرى محافظتي كرمان وأصفهان إلى طهران للمشاركة في مراسم التشييع وإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على قائدهم.
وكانت نساء الحي يتولين مهمة خدمة الضيوف. فقد أعلنَّ استعدادهن قبل أيام من المراسم، وتلقين تدريبًا خاصًا ليتمكنّ من حسن استقبال الوافدين ورعايتهم. كما نظّمن شؤون حياتهن بحيث إذا ذهبن إلى المصلّى للمشاركة في المراسم، عدن سريعًا إلى المسجد، حتى لا تتوقف خدمة الضيوف ولو لساعة واحدة.
وتقول نرجس فروغي، المشرفة على خَدَمة المسجد، إن النساء أبدين إقبالًا يفوق كل التوقعات عندما أعلن إمام الجماعة أن مسجد «حوري» سيكون أحد مراكز استضافة الضيوف. وخلال يومين فقط تجاوز عدد المتطوعات حاجة المسجد، حتى اضطررنا إلى تسجيل بعضهن في قائمة الاحتياط. وأضافت أن بين المتطوعات نساءً مسنّات كنّ يمشين مستندات إلى العصي، ومع ذلك أصررن على تسجيل أسمائهن ضمن الخادمات، وكنّ يقلن: «سنقوم بكل ما نستطيع القيام به».
كان كلُّ ما يحتاج إليه الضيوف متوفّرًا؛ من وجبات الإفطار والغداء والعشاء، إلى الشاي والعصائر. بل إن إدارة المسجد، حرصًا على راحة المسافرين وصون خصوصيتهم، كانت تغلق أبوابه في وقتٍ مبكر من الليل، كما جُهِّز بعددٍ من أماكن الاستحمام لتلبية احتياجاتهم، وكان وجود الممرضين والمساعدين الصحيين باعثًا على الطمأنينة والراحة.
غير أن أكثر ما استوقفني لم يكن ما وفره المسجد من إمكانات، بل أخلاق الضيوف أنفسهم.
وتقول زينت بهمن آبادي، مسؤولة الخادمات: «كان ضيوفنا في غاية الصبر وقلة التكلّف. كانوا أصحاب عزة نفس وكرامة، حتى إنهم لم يكونوا يطلبون شيئًا لأنفسهم، ولم يتناولوا شيئًا إلا إذا عرضناه عليهم؛ وكأنهم لا يحتاجون إلى شيء».
ثم روت أجمل ذكرياتها في تلك الأيام، فقالت: «في إحدى الليالي كان طفل صغير يبكي بلا توقف، وكانت والدته منهكة إلى درجة أنها لم تعد تقوى على السهر، فقلت لها: نامي أنتِ، وسأتولى أنا رعاية الطفل».
ولم يقتصر الأمر على الخادمات اللواتي كنّ يتناوبن الخدمة في المسجد، بل إن نساء الحي كلّهن شاركن تلقائيًا في استضافة الضيوف؛ فإحداهن اشترت الفاكهة، وأخرى أعدّت الطعام وأرسلته إلى المسجد، وثالثة نظّفت الخضراوات وعبّأتها في أكياس صغيرة جاهزة للاستعمال.
وكانت ثلاث نساء من الحي يأخذن ملابس الضيوف إلى بيوتهن، ويغسلنها في الغسالات، ثم يعدن بها نظيفة ومرتبة إلى المسجد. كما أحضر عدد من الأهالي بطانيات ووسائد إضافية ليشعر الضيوف بمزيد من الراحة.
لقد أعادت إليَّ هذه المشاهد من الخدمة والتفاني، من غير قصد، ذكرى ما رأيته قبل سنوات في أحد البيوت العراقية التي كانت تستضيف زوّار الأربعين؛ إذ كانت إحدى الجارات المقابلات تغسل ملابس الزائرين، وإذا احتاجت قطعةٌ منها إلى خياطة أو إصلاح، قامت بذلك بكل إخلاص، ثم أعادتها إلى أصحابها من غير أن تنتظر أي مقابل.
في تلك الأيام كنت أقول في نفسي إن مثل هذه المشاهد لا يمكن أن تُرى إلا في الأربعين الحسيني. أما اليوم، فقد رأيت نموذجًا مماثلًا من روح التكافل والإيثار في مسجد صغير، بين أهالي حيّنا.
وقالت إحدى نساء الحي إنها كانت تتساءل دائمًا: لو أُقيمت مسيرة الأربعين يومًا ما في إيران، فهل سيفتح الناس بيوتهم، ويكرّسون حياتهم لخدمة الزائرين كما يفعل العراقيون؟ لكنها وجدت جواب هذا السؤال بأم عينها خلال تلك الأيام.
وأضافت أن أكثر ما أثار إعجابها هو مبادرة الأهالي إلى غسل ملابس الضيوف، وقالت: «لم أكن أتخيّل أبدًا أن يعرض الناس من تلقاء أنفسهم أخذ الملابس إلى بيوتهم، وغسلها، ثم إعادتها إلى أصحابها في المساء.»
وإلى جانب هذه المشاهد المشرقة من الخدمة، كانت أحاديثي مع الضيوف تكشف لي جانبًا آخر من أجواء تلك الأيام. فكلما سنحت فرصة، جلست أتحدث مع بعضهم، وكان القاسم المشترك بين جميع تلك الحوارات هو الحزن العميق؛ إذ إن كل واحد منهم قطع مسافة طويلة ليشارك في الوداع الأخير لقائده الشهيد.
روت نرجس، وهي شابة من إحدى المناطق المحرومة في محافظة كرمان، أنها كانت قد تشرفت قبل سنوات، خلال لقاءٍ خاص بالطلاب، برؤية قائد الثورة عن قرب.
وفي اليوم التالي لمراسم الوداع في المصلّى، سألتها: «هل رأيتَ سماحة القائد؟ وكيف كان هذا اللقاء؟»
أطرقت برأسها، وظلت صامتةً لحظات، ثم قالت بصوتٍ يملؤه الأسى:«كان الأمر مؤلمًا جدًا... مؤلمًا للغاية».
ومن بين الضيوف، لفتت انتباهي ابتسامة فروزان سادات المشرقة، فبادرتها بالحديث. وكانت قد جاءت من مدينة رفسنجان برفقة حماتها، ضمن قافلة تضم أربعين شخصًا. وأخبرتني أنهم ظلوا منذ الصباح وحتى قبيل الظهر ينتظرون أمام أبواب المصلّى، على أمل أن يلقوا النظرة الأخيرة على قائدهم.
وأضافت أنها أقامت في طهران عدة سنوات، وأنها رأت قائد الثورة مرةً واحدة عن قرب خلال فترة دراستها الجامعية، ثم قالت بحسرة:«ليتني كنت يومها أملك الوعي والمشاعر التي أملكها اليوم».
سكتت لحظات، ثم تابعت حديثها قائلة:«مع أنني كنت أحب القائد، فإنني، تحت تأثير الأجواء التي سادت في أحداث شهر دي من العام الماضي، أسأت الحكم عليه. واليوم جئت لأطلب منه المسامحة».
ثم تحدثت عن القرار الذي اتخذته بعد ذلك، فقالت:«كان سماحة القائد يوصي الشباب دائمًا بالاهتمام بإنجاب الأبناء. ولذلك عزمت على أن أرزق بطفلٍ آخر، وأربيه على خدمة الإسلام».
وكانت ليلة تشييع سماحة القائد أكثر ليالي المسجد ازدحامًا. فقد ظل الضيوف يتوافدون حتى قرابة الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. وكان وصولهم تباعًا في ظلام الليل، وسعي الخَدَمة إلى استقبالهم، وتأمين أماكن راحتهم، وتسليمهم الوسائد والبطانيات، يعيد إلى الأذهان، أكثر من أي وقت مضى، أجواء الأربعين الحسيني.
وفي آخر يوم، قالت إحدى نساء الحي عبارة بقيت راسخة في ذاكرتي:«لم يُكتب لسماحة القائد أن يشارك يومًا في مسيرة الأربعين، لكن شهادته هي التي حملت أجواء الأربعين إلى إيران».
وعندما غادرت المسجد في اليوم الأخير من إقامة الضيوف، ظللت أفكر طويلًا في كلماتها. وأدركت أن الصورة التي رأيتها في مسجد حوري خلال تلك الأيام لن تغيب عن ذاكرتي أبدًا؛ مسجدٌ صغير، لكن خَدَمَه المخلصين، وضيوفه المتواضعين، وروح التكافل التي تحلّى بها أبناء الحي، منحوه أجواءً ذكّرتني مرارًا بطريق الإمام الحسين عليه السلام.
عدد الزوار: 14
http://oral-history.ir/?page=post&id=13418
