أول كتاب عن تاريخ مترو طهران

المدينةُ التحتيةُ لطهران

حميد قزويني

المُتَرجَم آلياً، التنقيح: السيد محسن الموسوي

2026-8-26


لا يقتصر التاريخ الشفهي على أبعاده التأريخية فحسب، بل يُعدُّ أيضًا وسيلةً لنقل الخبرات العملية والإدارية، وإنتاج مصادر بحثية يستفيد منها الباحثون في التخصصات العلمية المختلفة، ولا سيما في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

وفي هذا السياق، تتمتع المشروعات الصناعية الكبرى والصغرى، التي تستقطب وتُشرك منظومةً متكاملة من الموارد المادية وغير المادية والكفاءات المتخصصة، بقدرة كبيرة على أن تكون موضوعًا ثريًا للدراسة في إطار التاريخ الشفهي.

ومن أبرز هذه الموضوعات مشروع مترو مدينة طهران، الذي يُعدّ منذ ولادة فكرته، مرورًا بمراحل التصميم والتنفيذ والتشغيل والتوسعة، مادةً غنية للباحثين والمهتمين بالتاريخ الشفهي. وتزداد أهمية هذا المشروع بالنظر إلى أن التخطيط له بدأ في السنوات الأخيرة من حكم النظام البهلوي، حيث سعت عدة شركات أجنبية إلى تنفيذه، غير أنها أنهت تعاونها عقب انتصار الثورة الإسلامية. كما أدت الأزمات السياسية والأمنية، إلى جانب الحرب التي شنّها نظام صدام على إيران، إلى تأجيل تنفيذ المشروع عمليًا حتى أوائل عقد التسعينيات من القرن الماضي (السبعينيات الهجرية الشمسية)، الأمر الذي استلزم الاعتماد على الخبرات الوطنية والشركات الإيرانية لإنجازه.

وقد واجه المشروع، في هذه المرحلة، تحديات كبيرة تمثلت في محدودية الموارد والعقوبات المفروضة من جهة، والضغوط الاجتماعية الناجمة عن الازدحام المروري وتلوث هواء العاصمة من جهة أخرى، وهو ما ضاعف الحاجة إلى تنفيذه وجعل إنجازه ضرورةً ملحّة.

ويُعدّ كتاب «كيف شُيِّدت المدينة التحتية لطهران؟» أول عمل في مجال التاريخ الشفهي يتناول هذا المشروع. وقد صدر الكتاب عن منشورات سوره مهر سنة 1404هـ ش (2025م)، في 496 صفحة من القطع الرقعي، اعتمادًا على المقابلات التي أجراها منصور فخر زاده، وصاغها وحررها سعيد فخر زاده.

وكما يذكر مؤلف الكتاب، فإن تفشي جائحة كورونا، إلى جانب التغييرات التي طرأت على إدارة بلدية طهران، أوجد صعوبات متعددة أمام تنفيذ مشروع التاريخ الشفهي هذا، مما أدى إلى إطالة مدة إعداد الكتاب وإنجازه.

وقد خاض سعيد فخر زاده، مؤلف الكتاب ومدير المشروع، تجربةً مختلفة هذه المرة، إذ اختار موضوعًا لم يحظَ من قبل باهتمام المؤرخين أو الباحثين في مجال التاريخ الشفهي.

وكما يوضح المؤلف في مقدمة الكتاب، فقد انطلقت فكرة مشروع التاريخ الشفهي لمترو طهران عام 1398هـ ش، وبدأ العمل به منذ ذلك الحين. وشمل المشروع إجراء 90 ساعة من المقابلات مع 40 شخصية، توزعت على 65 جلسة.

ويُظهر الكتاب أن مترو طهران، وإن كان مشروعًا يخصّ العاصمة الإيرانية، فإنه يُعدّ في الوقت نفسه أحد المشروعات الوطنية والبنى التحتية الاستراتيجية؛ إذ إن تنفيذه وضع إيران في مصافّ الدول القادرة على إنشاء شبكات المترو، وأحدث نقلةً نوعية في هذا القطاع وفي الصناعات المرتبطة به.

ومن اللافت أن إنشاء مترو طهران وتشغيله أسهما في توطين كثير من التقنيات المرتبطة بهذه الصناعة، مما هيّأ الأرضية اللازمة لإنشاء شبكات المترو في مدن إيرانية أخرى على نطاق أوسع.

ومن أبرز التحديات التي تكتنف تناول مثل هذه الموضوعات صعوبة جمع المعلومات وتنظيمها وصياغتها. فوفرة البيانات، وكثرة الموضوعات التخصصية، وتعدد الرواة، والتداخلات السياسية والفئوية، فضلًا عن الجوانب الفنية والتنفيذية، كلها عوامل تجعل عملية التوثيق أكثر تعقيدًا.

وقد أضفت روايات الأشخاص الذين شاركوا ميدانيًا في مواقع العمل أو أسهموا في مراحل التأسيس والإنشاء والتشغيل وتطوير المشروع، إلى جانب شهادات كبار المديرين وصنّاع القرار، صورةً أكثر شمولًا ووضوحًا أمام القارئ.

وفي الوقت الحاضر، تحرص المؤسسات الأكاديمية والبحثية المرموقة في العالم، إلى جانب حفظ الوثائق والمراسلات المتعلقة بالمشروعات الكبرى، على توثيق خبرات القائمين عليها والعاملين فيها. ومن الطبيعي أن تُسهم مثل هذه المؤلفات في توفير مصادر أساسية للدراسات الاستراتيجية في مجالات الإدارة الحضرية، وإدارة النقل، والدراسات الاجتماعية والاقتصادية والصناعية.

ويضم كتاب «المدينة التحتية لطهران» شهادات مختلف الفئات المهنية التي شاركت في هذا المشروع، بما يتيح للقارئ تكوين صورة أوضح عن مراحل نشأته وبنائه وتشغيله. وقد حرص المؤلف على المحافظة على أسلوب الرواة ولغتهم الخاصة، حفاظًا على تنوع النص وأصالته، وهو ما يساعد القارئ أيضًا على التعرف، إلى حدٍّ ما، على شخصيات الرواة وطريقة تفكيرهم.

كما يُعدّ الاهتمام بالتفاصيل من أبرز خصائص هذا الكتاب، إذ يطّلع القارئ من خلال الروايات على القضايا والتحديات والبدائل والقرارات التي رافقت تنفيذ المشروع. فالتاريخ الشفهي، في جوهره، يقوم على استنطاق التفاصيل وعدم الاكتفاء بالعموميات.

تُقدِّم «المدينة التحتية لطهران» للقارئ مسيرةً متكاملة لتاريخ السكك الحديدية الحضرية في العاصمة، منذ بداياتها وحتى السنوات الأخيرة. ولا يقتصر الكتاب على كونه تاريخًا لمشروعٍ صناعي فحسب، بل يُعدّ أيضًا، بحكم الطبيعة الاستراتيجية والبنية التحتية لهذا المشروع، وارتباطه باهتمام مختلف المؤسسات السياسية والتنفيذية في إيران، قراءةً لجزء من تاريخ البلاد، وبيانًا لتأثير التطورات السياسية والأزمات الاقتصادية والمشكلات الناجمة عن العقوبات، وصولًا إلى تجاوز العقبات وتشغيل المشروع وتطويره ومن الملاحظ في مثل هذه المشروعات أن بعض الرواة، ولا سيما من شغلوا مناصب إدارية، يميلون إلى عرض تقارير عامة عن أدائهم وإنجازاتهم أكثر من ميلهم إلى سرد الذكريات والتجارب الشخصية. غير أن المُحاوِر ومؤلف الكتاب نجحا في دفعهم إلى تقديم تفاصيل أوفى واستحضار ذكرياتهم، كما استعانا بروايات أشخاص آخرين لاستكمال المعلومات وسدّ الثغرات.

ورغم أن عدد المؤلفات المنشورة حول المشروعات الصناعية لا يزال محدودًا مقارنةً بغيرها من الموضوعات، الأمر الذي يحرم الباحثين من نماذج وتجارب كثيرة يمكن الاحتذاء بها، فإن المؤلف وفريقه تمكّنوا من تقديم عملٍ رصين وجدير بالقراءة، يُثري الساحة البحثية ويُعدّ إضافةً قيّمة إلى أدبيات التاريخ الشفهي.

يُعدّ تقسيم الكتاب إلى تسع محطات من الجوانب اللافتة فيه. ومع أن هذا التقسيم يبدو، في ظاهره، معتمدًا على التسلسل الزمني، فإنه كان من الأفضل توضيح الأساس الذي استند إليه، وبيان نوع البيانات والموضوعات التي تتضمنها كل محطة.

كما كان من المناسب شرح المصطلحات الفنية المتخصصة، التي يكثر ورودها في متن الكتاب، بما يُيسّر على القارئ فهمها ويُمكّنه من الإفادة من محتوى الكتاب بصورة أوسع.

وعلى الرغم من أن حجم المقابلات التي أُجريت كان أكبر بكثير مما ورد في الكتاب، وأن تحرير المشروعات التي تضم عددًا كبيرًا من الرواة يُعدّ عملًا بالغ الصعوبة، فإن حجم الكتاب جاء مناسبًا ومتوازنًا.

وقد أُثبتت في الحواشي السفلية لكل صفحة الإحالات إلى المقابلات والاقتباسات، الأمر الذي عزّز من موثوقية الروايات، ويسّر الرجوع إلى مصادرها في المستقبل. كما أن إدراج صور الرواة داخل المتن يُعدّ خطوةً موفقة تُضفي على العمل مزيدًا من الحيوية والمصداقية.

وتضم المحطة التاسعة مجموعةً قيّمة من الوثائق والصور. ومن المبادرات الجديرة بالتقدير في هذا القسم إدراج رموز الاستجابة السريعة (QR Code) الخاصة بالوثائق، بما يتيح للقارئ الوصول إليها والاستفادة منها في البيئة الرقمية بسهولة أكبر.

وعلى أي حال، يُعدّ هذا الكتاب أول عمل في مجال التاريخ الشفهي يتناول تجربة إنشاء وتشغيل مترو طهران، وقد صدر بقلم سعيد فخر زاده، ليشكّل مرجعًا موثوقًا للتعرّف إلى تجربة إيرانية ناجحة في مجالي الإدارة والصناعة، في إطار السياسات الاستراتيجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

كما يتمتع محتوى الكتاب بقدرة كبيرة على الإفادة منه في مجالات التوعية والإعلام الحضري، والبرامج الإعلامية، وإبراز جانبٍ من إنجازات الكفاءات الإيرانية في ميادين العلم والتكنولوجيا.

 

النص الفارسي



 
عدد الزوار: 6


التعليقات

 
الاسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق:
رمز التحقق (2 + 2) :
 

الترجمة في التاريخ الشفوي والأضرار المحتملة

للترجمة تاريخ عريق، وقد ازداد نطاقها مع توسع دائرة تواصل الإنسان. ولعبت هذه المهنة دورًا محوريًا في تطور الإنسان، وتحسين حياته، ونشوء الحضارات الإنسانية. لم يقتصر دور المترجمين على تسهيل التواصل بين البشر، بل امتد ليشمل نقل الثقافات والأفكار والعلوم والفنون والآداب والمعارف عبر التاريخ.

تحديات إجراء المقابلات في التاريخ الشفوي

بعد سنوات من التعلم عن الأسس النظرية للتاريخ الشفوي، وإجراء ساعات من المقابلات والمعالجة اللاحقة، ودراسة الأدبيات المتاحة عن التاريخ الشفوي، نجحت أخيرًا في تجميع تقييم لعشرات مشاريع التاريخ الشفوي.

مذكرات عبّاس جهانغيري

المهندس عبّاس جهانگيري، من مقاتلي فترة الدفاع المقدس، كان ضيفَ البرنامج السابع والثمانين بعد المائتين من «ليلة الذكري» (كانون الثاني/ديسمبر ٢٠١٧). وحدّث عن عملية «الفجر ٢» وعن زملائه في مدرسة «مفيد». قال جهانغيري: «لم يكن أبي وأمّي يسمحان لي بالذهاب إلى الجبهة. وفي ذات يوم قلت لأمّي: إنّنا ذاهبون إلى مشهد.

زباني تاريخ ميں سچ اور جھوٹ

 ان حكايات ميں تبديلي سے يہ سوال پيدا ہوتا ہے كہ ہم كس چيز كو بنياد قرار ديں؟ اور ہميں قضايا كي ضرورت بھي ہوتي ہي۔ يہ قضايا، نظريات بناتے ہيں اور اسي طرح كسي نظريہ كي تصديق يا ترديد كرتے ہيں