دور الأشياء في السرد الشفهي
حميد قزويني
المترجم: السيد محسن الموسوي
2026-5-13
يُطلق الفلاسفة على أي شيء موجود أو لديه إمكانية الوجود اسم " Object". يمكن أن يتجلى هذا المفهوم في أشكال مادية، ومفاهيم مجردة، وحتى في المشاعر والتجارب الإنسانية. بعبارة أخرى، يشير "الموضوع" إلى طيف واسع من الكائنات والظواهر، لكل منها خصائصها ومميزاتها، ويمكن فهمها بطرق مختلفة.
بطبيعة الحال، ترتبط حياة الإنسان منذ ولادته ارتباطاً وثيقاً بالأشياء. فالإنسان محاط بالأشياء، وهي شريكة حياته ورفيقة دربه في أفراحه وأحزانه. لا يوجد من يعيش الحياة المادية ويتجنب الأشياء. حتى الأشخاص الذين يعيشون في أكثر مناطق العالم عزلة، دون الاستفادة من الحضارات والثقافات التقليدية، يضطرون إلى الحد الأدنى من التواصل مع الأشياء والعيش في هياكل تعتبر أهم شيء في حياة ذلك الشخص.
إن العديد من الأشياء، عندما ترتبط بحياة الإنسان، لا تقتصر وظيفتها على تسهيل الأمور أو تزيين مظهر الحياة فحسب، بل تؤثر بشكل كبير على هوية الفرد. لذلك، نعتز بوجودها ونسعى جاهدين للحفاظ عليها. عندما ينظر المرء إلى منزل قديم، أو كتاب، أو آلة موسيقية، أو مخطوطة، أو ملابس، أو رسالة، أو يستمع إلى أغنية من الماضي، أو يستنشق رائحة معينة تذكره به، فإنه في الواقع يستحضر جزءًا من ماضيه. ولهذا السبب، تساعد الأشياء في الحفاظ على الهوية وإعادة بنائها، وفي إبقاء الذاكرة والتاريخ الإنسانيين حيّين.
الأشياء التي تُشكّل عالمنا تُظهر لنا من نحن، وأين كنا، وإلى أين نتجه. بعبارة أخرى، الأشياء استعارات نعيد من خلالها تعريف أنفسنا؛ إنها أدلة تكشف تاريخنا وتجاربنا وعلاقاتنا. تُعدّ هذه الآثار تجسيدًا ملموسًا لأفعال وذكريات الماضي، وفي عالمٍ سريع التغير، تُتيح لنا لحظة تأمل وعودة إلى ذواتنا. ولعلّ هذا ما يدفع العديد من الدول إلى السعي للحفاظ على ما تعتبره تراثًا ثقافيًا وحضاريًا لمجتمعاتها، أو إعادته من طي النسيان.
إذن، ليست الأشياء مجرد أدوات، بل هي حاملة لتاريخنا الفردي والجماعي. لكل منها حكاية ترويها، فتُشكّل سردًا لحياتنا وتدخل في منظومة من الرموز. هذه الرموز تعمل كفأس عالم الآثار، تهبط ببطء وحذر على جدار عتيق. يزيل هذا الأمر أكوام الأوساخ والغبار المتراكمة عبر الزمن، ويكشف عن كنز ثمين. بمعنى آخر، عندما يصادف المرء شيئًا كان تربطه به سابقًا علاقة عاطفية أو تجريبية، فإن هذا الشيء يُنشّط المسارات العصبية المرتبطة بتلك الذكرى، ويعيد بناء العقل. كلما كانت الذاكرة راسخة بقوة، كانت استجابة الدماغ أسرع وأوضح. وكأن الدماغ يفتح نافذة على الماضي، فيُظهر أمام أعيننا مشاهد حية ودقيقة. إن كيفية حدوث عملية التذكر والمسار الذي يسلكه الدماغ لاستخراج وإحياء الأحداث الماضية من كتلة المعلومات الموجودة في العقل هو موضوع متخصص في علم الأعصاب وعلم النفس، وهو ليس من اختصاص المؤلف، كما أنه ليس من الضروري مناقشته في هذه الملاحظة.
إضافةً إلى ذلك، تحمل العديد من الأشياء قيمةً عاطفيةً ونفسيةً. فهي لا تُذكّرنا بشيءٍ ما فحسب، بل تُعيد إلينا أيضاً المشاعر المرتبطة بتلك الذكرى. على سبيل المثال، قد تُعيد أداةٌ كانت ملكاً لأبٍ في عمله الكثير من الذكريات والمشاعر بعد وفاته. كما أن بعض الأشياء لها حضور دائم في الطقوس والاحتفالات الدينية؛ على سبيل المثال، سجادات الصلاة، وسجادات الصلاة، والمسابح لها صلة عميقة بهوية الفرد ولحظاته الشخصية.
على الصعيد الاجتماعي، تحمل المباني القديمة والمعالم الأثرية والمتاحف جزءًا من التراث الاجتماعي والثقافي للمجتمع. وعلى نطاق أوسع، تُشكل هذه الأشياء جسورًا بين الماضي والحاضر، إذ تُنشئ روابط بين الحواس والزمان والمكان والمشاعر. ولذلك، فهي ليست مجرد أشياء، بل هي حاملة للذكريات والمعاني الإنسانية.
وبهذا الشكل، تلعب الأشياء دورًا هامًا ومتعدد الأوجه في إحياء الذاكرة (أو استحضارها)، ويُعتبر وجودها ذا قيمة في تشكيل الهوية الاجتماعية وإحياء الذاكرة التاريخية.
مواجهة الأشياء في إنتاج السرد
والسؤال الآن هو: كيف ينبغي لباحث التاريخ الشفوي، سواء أكان مُحاورًا أم جامعًا للمعلومات، أن يتعامل مع المواد ليُحسن استغلال وجودها في صياغة السرد؟
والإجابة على ذلك هي:
- يجب أن يتمتع باحث التاريخ الشفوي بقدرة مقبولة في علم العلامات واستخدامها. أي أنه من خلال التعرف على الأشياء التي كان لها تأثير في حياة الراوي وعصره، يجب أن يكون قادراً على استحضار العلامات المفاهيمية ذات الصلة واستخدامها بشكل صحيح في صياغة السرد وإكماله.
- يجب فهم أن الأشياء ليست مُصممة لتكون الموضوع الرئيسي أو محور البحث، ولا تشغل حيزًا كبيرًا من السرد. إنما هي مجرد وسيلة لاستحضار الذكريات وتكوين سرد دقيق للحدث.
- قد تحمل بعض الأشياء ذكريات ومشاعر سلبية، وقد يُسبب التركيز المفرط عليها شعورًا بعدم الارتياح لدى الراوي أو يدفعه إلى فرض رقابة ذاتية. لذا، في هذا السياق، يجب توخي الحذر بشأن مشاعر الراوي.
- قد تؤدي الأشياء التي تغمر الراوي بمشاعر وأحاسيس إيجابية وحماس شديد إلى المبالغة. يجب الحرص على ألا يبقى الراوي أسيرًا لجو من العاطفة والانبهار يحجب عنه الحقائق. فعلى سبيل المثال، قد يصبح سلاح قديم يخص رب الأسرة، دون وعي، أساساً لإنشاء روايات مبالغ فيها.
- ينظر الراوي إلى كل شيء باحترام واهتمام أو كراهية وعدم رضا بسبب التاريخ الذي مر به معه، ويجب على باحث التاريخ الشفوي أن ينتبه إلى أذواقه واهتماماته، وأن يحاول، وفقًا لهذا الجو، تحفيز ذاكرة الراوي وإنشاء سرد.
على أي حال، جزء من التاريخ يتكثف في قلب الأشياء، وبعد فترة طويلة، من خلال الرجوع إليها أو مشاهدتها، يمكن إعادة سرد أجزاء منه تدريجياً.
عدد الزوار: 8
جديد الموقع
- دور الأشیاء فی السرد الشفهی
- کتاب "توبخانه سباه باسداران(مدفعیة حرس الثورة)"
- أُقیمت مراسم إحیاء الذکرى السنویة الثالثة والعشرون لشهداء کتیبة أنصار الرسول (ص).
- الانتفاضة الشعبانیة کما رواه علی تحیری
- مقارنة التاریخ الشفوی الرسمی (المؤسسی) مع التاریخ الشفوی غیر الرسمی (الشعبی، الشخصی)
- شهر رمضان المبارک فی جبهات القتال
- فی الدرب الذی کان هو الدلیل فیه
- لیلة الذکری الـ372 - 2
الأكثر قراءة
مقارنة التاريخ الشفوي الرسمي (المؤسسي) مع التاريخ الشفوي غير الرسمي (الشعبي، الشخصي)
اكتسب التاريخ الشفوي أهمية متزايدة خلال العقود القليلة الماضية كوسيلة مباشرة وإنسانية لتوثيق الأحداث والتجارب التاريخية. تتيح هذه الطريقة للباحثين الاستماع إلى أصوات أولئك الذين لم يُمثَّلوا تمثيلاً كافياً في التاريخ الرسمي أو الذين تم تجاهل رواياتهم.تحديات إجراء المقابلات في التاريخ الشفوي
بعد سنوات من التعلم عن الأسس النظرية للتاريخ الشفوي، وإجراء ساعات من المقابلات والمعالجة اللاحقة، ودراسة الأدبيات المتاحة عن التاريخ الشفوي، نجحت أخيرًا في تجميع تقييم لعشرات مشاريع التاريخ الشفوي.الانتفاضة الشعبانية كما رواه علي تحيري
مرئيات المراسلين الإيرانيينللعراق حدود مشتركة مع ست دول: إيران، والسعودية، وتركيا، وسوريا، والأردن، والكويت. أربع دول عربية ودولتان غير عربيتين، وفي ذلك الوقت، باستثناء الأردن، لم تكن علاقات الدول الأخرى جيدة مع الحكومة العراقية.
زباني تاريخ ميں سچ اور جھوٹ
ان حكايات ميں تبديلي سے يہ سوال پيدا ہوتا ہے كہ ہم كس چيز كو بنياد قرار ديں؟ اور ہميں قضايا كي ضرورت بھي ہوتي ہي۔ يہ قضايا، نظريات بناتے ہيں اور اسي طرح كسي نظريہ كي تصديق يا ترديد كرتے ہيں

