مذّكرات زهراء ألماسيان، المرأة المعوّقة أثناء فترة الدفاع المقدس

الإغاثة في مدينتي خرمشهر و آبادان

فائزة ساساني خواه
ترجمة: حسين حيدري

2018-05-03


تزامنت السنوات الأولى من سنوات شباب السيدة ألماسيان مع انتصار الثورة الإسلامية وبداية الحرب التي فرضها جيش صدام على إيران .كما كانت في الأيام الأولى لغزو حزب البعث العراقي لإيران، تعمل في مجالات عديدة في مدينة آبادان. لكن مع تأزّم الأوضاع في مدينة خرمشهر والتي تعرّضت للخطر أكثر من مدينة آبدان حينها، ذهبت للإغاثة وأصيبت بجروح بعد قصف شديد لنيران العدو. حيث أدّت الأنشطة المتنوعة لها التي قامت بها في تلك الأيام، إلى أن يذهب مراسل موقع التاريخ الشفهي الإيراني والتحدث عن ذكرياتها في تلك الحقبة.

أين كنتِ عندما بدأت الحرب المفروضة العراقية علي إيران؟

عندما اندلعت الحرب، كنت في مراسيم حفل زفاف إحدي صديقاتي المقرّبات. حيث أقيمت تلك المراسيم في مسجد المهدي المنتظر (عج) في مدينة آبادان. في نهاية الحفل، أعلنوا عن مهاجمة العراق لمدينة خرمشهر. لم أذهب وإثنين من صديقاتي مع العروس لمنزلها. هذا ومن أجل تتبّع القضية، و إذا ما كان بيدنا تقديم شيء في تلك الظروف، ذهبنا بشكل سريع نحو مدينة خرمشهر و تحديداً مستشفي ولادة السيدة الزهراء (سلام الله عليها). آتوا بعدد من المصابين. قمنا بما وسعنا وعُدنا ليلاً إلي آبادان. بالطبع ، أعني الحرب في هذا الوقت، ليست رسمية بعد. كما تعلمون ، قبل بضعة أشهر من بدء الحرب المفروضة، نفذ صدام سلسلة من المؤامرات والأعمال الإستفزازية و مهاجمة الحدود أيضاً.

نعم، هذا صحيح . ما هي الأنشطة التي قمت بها عندما تم إطلاق الحرب المفروضة رسمياً؟

بدأنا العمل منذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها الحرب. نيابة عن وفد تابع للمحافظة، كنا مسؤولين عن تحديد المنازل والمباني والأشخاص الذين استشهدوا أو جرحوا، وإبلاغهم عن تدمير المنازل أو المحلات التجارية. بالإضافة إلى ذلك، كنت أعمل في مستشفيات طالقاني والشهيد بهشتي حيث نقوم بإيصال الجرحى إلى هذين المستشفيين. كان مستشفي بهشتي في القرب من المقبرة وقرية چويبدة و مستشفي طالقاني حوالي مدينة خرمشهر. وفي الوقت نفسه، كنت في الخدمات اللوجستية والدعم في مسجد  المهدي الموعود (عليه السلام) كما كّنا ننشط في قطاع إعداد الأغذية أيضاً. نقوم بالإشراف علي إعداد الطعام بشكل جيّد. نخشي أن يضع المنافقين شيئاً في طعام المقاتلين.كانوا ينشطون في المدينة. لهذا لانسمح لأي شخص بإعداد الطعام لهم. من يقمن بإعداد الطعام عدد من النساء اللواتي نثق بهنّ مئة في المئة و قد تعرفنا عليهنّ قبل الثورة وأزواجهنّ وأبنائهنّ في الخطوط الأمامية للجبهات، أمثال زوجة الشهيد محمد دشتي أو أم ثلاثة من الشهداء،الشهيد أمير شفيعي التي قدّمت ثلاثة من أبنائها قرباناً للدفاع عن حياض الوطن. كما نوصي الجميع بعدم الذهاب معاً للوضوء أو إقامة واجب الصلاة.

 ذهبتي إلي هناك بعد تعرض دائرة التربية والتعليم في آبادان للقصف...

نعم، قامت الطائرات العراقية في الساعات الأولي من الحرب ساعات العمل بقصف دائرة التربية و التعليم و المتحف. لقد أوصلت نفسي بعد القصف إلي تلك المنطقة. بقوا الموظّفين تحت الأنقاض بعد تعرّض المبني للقصف. قاموا بسحب الجثامين واحدة تلو الأخري من تحت الأنقاض و إرسالها إلي مستشفي الشهيد بهشتي. ثمّ ذهبنا لتقديم المساعدة نحو المستشفي و الذي يعتبر أقرب مستشفي في تلك المنطقة. كما كانوا يأتون بجرحي من مناطق جويبدة الحدودية، كان المستشفي مزدحماً جداً. لم يقم الناس بعد بإخلاء المدينة، كما كان هناك أيضا نساء وأطفال بين الجرحى.

هل تعلمت  دورات الإغاثة قبل بدء الحرب أو عندما بدأت الحرب تجريبياً؟

لم أتعلم دورات الإغاثة. كانت لدي دورة تمريض كاملة. بعد انتصار الثورة الإسلامية، تم تشكيل عدة مجموعات في مدينة آبادان. كما قام الحاج السيد محمد كياوش بتشكيل مجموعة علي نفقته الخاصة.

كان أستاذاً للقرآن و التفسير وله نشاط سياسي قبل انتصار الثورة الإسلامية. بعد الثورة، كان مسؤولاً عن  دائرة التربية و التعليم في محافظة خوزستان كما أنه بالنسبة للقوات التي تعاونت معه في الشؤون السياسية قبل انتصار الثورة، وفّر لهم ظروف للتعليم الثقافي و التمريض.كان لديّ نشاطاً في المجال السياسي قبل إنتصار الثورة الإسلامية في المرحلة المتوسطة. ذهبت إلي مدينة إصفهان عام 1352 و 53 من قبل حسينية الإصفهانيين في مدينة آبادان و ذلك برفقة 48 من الأخوات لفترة أربعة أشهر لحوزة بانو أمين إصفهاني العلمية لتعلّم قواعد تفسير القرآن الكريم و نهج البلاغة و الأدب العربي و الحديث و دروس أخري أيضاً. بعد عودتنا من هناك دخلت في القضايا السياسية،حيث تعرفت في إصفهان علي أصدقاء كانت لهم أنشطة سياسية. كما كان أبي أيضاً ناشطاً سياسياً ولقد تعرفنا علي السيد كياوش حينها. كان يجلب لنا إعلانات ومنشورات الإمام الخميني الراحل (رحمة الله عليه) ونحن نقوم باستنساخها. كانت شقيقتي تقوم بطباعة بعض المواد كما حصلت أنا علي شهادة الدبلوم في مجال الطباعة. كنّا نوزّع المنشورات بين المتدينين الذين نثق بهم كثيراً. كما قمنا بدورتي التمريض والقضايا العسكرية بعد انتصار الثورة التي اقاها قبل الحرس الثوري و مساعدة السيد كياوش.في الحقيقة كانت القوي الدينية والثورية تقوم بتدريب الكوادر آنذاك. طلبوا منّا أن نوفّر لباساً للتمريض أي وشاحاً أبيضاً و عباءة و سروالا حتّي نستقر في المستشفيات إذا لزم الأمر. لهذا تلقّينا الدورة النظرية و العلمية بشكل كامل في المستشفي.

 مع بداية الحرب، ذهبت معظم العائلات من مدينة، هل كان والدك مخالفاً لبقائك في المدينة؟

لا . أبي لم يكن في مدينة آبادان في ذلك الوقت.  كان ناشطاً سياسياً قبل انتصار الثورة الإسلامية. كان قد وضع المنشورات في المتجر و مطارداً من قبل السافاك. لهذا ذهب إلي مدينة إصفهان و بقي هناك و لديه متجراً لبيع الأحذية و الحقائب. بالطبع لم نذهب معه إلي هناك.  عندما اندلعت الحرب اتصل بشكل عاجل و قال:« عليكم بإخلاء المنزل و إعطائه للقوات الصديقة». كان منزلنا كبيراً جداً و تبلغ مساحته أكثر من ألف متراً. كما عاد هو إلي مدينة آبادان و لم يخالف عملنا علي الإطلاق. قمنا بجمع كل أثاث البيت ووضعها في غرفة واحدة لكي يصبح منزلنا قاعدة تعليمية وعسكرية. كّنا جميعًا في المدينة ونفعل كل ما يمكننا فعله. كانت والدتي في المستشفى، وكانت أختي تعمل معي، وكان أشقائي ينشطون كذلك. حتى زوجة أخي، التي كانت حاملاً ، بقيت في المدينة، وأجبرنا أخينا على إخراج زوجته من المدينة، وحاولت العودة إلى المنزل كل ليلة، حتى لا تكون أسرتي وحيدة، رغم أن المنزل لم يكن آمنًا.

كيف ذهبتي إلى خرمشهر للقيام بعمل الإغاثة؟

لقد أخلى الحرس الثوري في مدينة خرمشهر القوات الرجالية و النسائية .كما أن القوات التي بقيت في المدينة قاتلت بلا كلل مع البعثيين.يبدو لم تبق أي من النساء هناك. ذهبت برفقة إحدي السيدات و اسمها فاطمة ـ بالطبع كان إسمها بريوش ـ و قامت بتغيير اسمها لمدينة خرمشهر للقيام بعمل الإغاثة. استقرينا في منزل بعد مسجد الجامع والذي يقع بين منظمة سكك الحديد و دائرة الجمارك.

كيف كان الوضع في خرمشهر؟

لقد أصبحت المدينة خالية من السكّان، المنازل والمباني دمرت . دخل البعثيون المدينة ، لكنهم لم يستولوا عليها بالكامل. في الواقع، انتشرت قوات البعثيين في أماكن مختلفة. بالإضافة إلى البعثيين، كان المنافقون أيضًا متواجدين في المدينة. كانوا من القوى المتبقية من منظمة خلق عرب أو المنافقين، ويتعاونون مع العدو حينها، حيث يقوموا بكشف أماكن قواتنا كي يضربها العدو البعثي.

ماذا كنت تفعلين هناك؟

اشترطوا علينا أن لا نتدخل في شؤون الأطباء! كنّا نقدّم المساعدات للدكتور سيامك صادقي الذي تم إبتعاثه من طهران إلي هناك حيث نال درجة الشهادة الرفيعة في شهر مهر من تلك السنة. يتم جلب الجنود الذين أصيبوا لتلقي العلاج الأولي. كان الطبيب ماهراً في عمله. كان مخلصًا جدًا وثوريًا وتم إرساله من طهران. كما يبدو أن هنالك عدة أشخاص كانوا يعملون مع الدكتور لكنه غير راضٍ عنهم و أعفاهم عن العمل. اشترط علي الذين يريدون العمل معه أن يقوموا بما يأمرهم به و ليس ما يحبونه. لقد اشترط علينا أن لا نتحدّث أثناء العمل ولانبدي بوجهات نظرنا كذلك، حيث كثافة و حجم العمل كان كبيراً و لأننا اجتزنا دورة التمريض بشكل كامل، إذا ما أردنا أن نقول له إفعل هذا و أترك ذاك، سيخلّ ببرنامج عمله. من خلال الغاز المعقّم  والقطن والمواد الأخرى، بتنظيف جروح المصابين لمنع العدوى من الانتشار وعدم إصابة الآخرين بها. كنا نقوم بتضميد جروحهم و نقيهم من قطع أيديهم و أرجلهم أو سائر الأعضاء المحتملة. كنا ننقلهم إلى مستشفى آبادان بغية وجود سيارة هناك. لأن الطبيب لم يستطع القيام بكل عمل للجرحى وحده ولم يكن لديه كل المعدات اللازمة. في بداية الأمر كانت قوات الدفاع عن مدينة خرمشهر يقومون بجلب الجرحي إلي هناك، ولكن بعد أن أصبح عدد القوات قليلاً،كنت أذهب لجلب الجرحي من الخطوط الأمامية. كان ذلك الأمريتم في ظروف صعبة للغاية.

 

تحت أي ظروف تنقلون الجرحي؟

كنا نعمل في الخط، لكن القوات المدافعة كانت تدافع أمامنا . يتم إرجاع الجرحى للخلف ونحن نعالجهم. لكن عندما سحق البعثيون المدينة بقوة و تكاثرعدد الجرحى ، بالطبع قدرة انتقال الجرحي للخلف كانت تتضائل إلي حد ما،لأنهم يريدون البقاء في الخطوط الأمامية والقتال  فيها. كما لم يكن لدى الجرحى القدرة على القتال. قيل لنا أنهم بحاجة إلى شخص ما لإعادة الجرحى .حيث ذهبت في إحدي المرات بعد طلب الرخصة من الدكتور صادقي مع أحد القوات و الذي كان عربياً من أهالي مدينة خرمشهر حيث بقيت صديقتي إلي جانب الدكتور صادقي. أطلق البعثيون النار علينا من جميع الجهات الأربعة. كانت التضاريس الوعرة والمشي والجري عليها صعبة للغاية. كانت قضبان كهربائية وطابوق الأبنية ومبردات وأجهزة أخرى واقعة على الأرض. تتساقط نيران العدو علينا بشكل كثيف و بكافة أنواعها حيث كانت السماء الزرقاء أصبحت سوداء والدخان يتصاعد في الأرض وفي السماء. وبمساعدة أحد القوات الذي  جاء إلي هناك، كنّا نجمع الجرحى ونضعهم في العربة  و نعود للخلف ثانية.

كم عدد الجرحي الذين يمكنكم وضعهم في العربة؟

لم ننقل جثمان الشهداء، بل الجري فقط، نضعهم علي بعض و أنا كنت أمشي أمام العربة و يقودها الشخص الذي كان معي في هذه المهمة. كانت العربة تسير بصعوبة علي أرض غير مستوية. بعد إعادة الجرحى ، إذا كانت سيارة موجودة هناك، يتم نقل أولئك الذين لا تتم معالجتهم بشكل سطحي إلي مدينة آبادان. كان أحد الأيام صعباً للغاية، وكانت القوات البعثية قد أحرزت تقدماً كثيراً، لم تكن هناك سيارة لنقل الجرحى. لقد توسلنا بأهل البيت (عليهم السلام) و دعونا الله أن تصل سيارة إلي هناك لنقل الجرحي لمستشفيات مدينة آبادان.  لقد توسلت أنا بأم البنين أم ابي الفضل العباس (ع). أتت سيارة و نقلنا الجرحي وذهبنا بهم إلي آبادان وأوصينا بخضوعهم لعملية جراحية طارئة.

 

لم يقولوا لكم الرجال اخرجن من المدينة لايوجد لكنّ مكاناً للبقاء فيها؟

لا لم يقولوا ذلك،لأنهم بحاجة ماسّة لوجودنا هناك. لكن عندما نقترب منهم يقولون ابتعدن من هذا المكان :«إذهبن جانباً،عندما يراكن العراقيون سيقومون بإطلاق نار كثيف علينا».

ما هو عمر أكثر المصابين؟

معظمهم كانوا من الشباب.

هل لديك ذكري من هؤلاء الجرحي؟

كان المصابين الذين فقدوا عضواً من أعضائهم يتألمون كثيراً. كما أن البعض منهم يوصيني أو يقول لي أن وصيتي موجودة في جيبي و أرجوا إرسالها إلي عائلتي أو تقولين لهم عن أهدافنا،نحن ذهبنا للقتال من أجل الحفاظ علي الجمهورية الإسلامية و دعم وحماية الإمام الخميني (رحمة الله عليه) . كما كان البعض منهم يمر بحالة سيئة جداً. كانوا يعانون الكثير من الألم  حيث غير قادرين على التحدث كثيراً.

هل تصابين بالارتباك حينما ترين الجرحي الذين يمرون بحالات صعبة؟

لا. لأنني كنت أعمل في مستشفي الشهيد بهشتي و تعاملت مع أصعب الحالات هناك مع الجرحي الذين أصيبوا في قصف العدو علي دائرة التربية و التعليم و المتحف. بالإضافة إلي ذلك،لا مجال للتعبير عن المشاعر. كان هناك الكثير من العمل والقليل من الطاقات و الكوادر. حيث لايوجد وقتاً للارتباك أو التعبير عن المشاعر و الأحاسيس.

كم من الوقت قضيت في تلك الأيام الحرجة في مدينة خرمشهر؟

كنت هناك حتى اليوم الذي جرحت فيه . وبعد بضعة أيام سقطت خرمشهر و استشهد الدكتور صادقي و عادت صديقتي حينها إلي مدينة آبادان.

إشرحي لنا سبب تعرضكم للإصابة.

في ظهيرة إحدي الأيام جاء رجل من أهالي مدينة خرمشهر إلي مكان استقرارنا. وبيده بندقية كلاشينكف. طلب منّا أن نذهب معه داخل المدينة لتقديم المساعدة لأحد المصابين. نظر إليّ الدكتور صادقي و قلت له:«هل أذهب معه؟» فهمت من خلال نظراته أن يجب أن أذهب مع ذلك الرجل. اصطحبت معي كمية من أدوات التضميد و ذهبت معه. لقد اقتربت القوات البعثية منّا كثيراً. و يطلقون علينا الرصاص بكثافة من خلال استخدام أنواع الأسلحة. لايمكننا البقاء كثيراً لتفقد أحوال الجرحي في تلك المنطقة. سعينا أكثر أن نجمع الجرحي و نأتي بهم إلي مركزنا و نقلهم عن طريق عربة إلي الخلف، في طريق عودتنا رأينا رجل و إمرأة يبلغون من العمر حوالي 70 إلي 80 عاماً بيدهما طفلاً صغيراً لازال عالقاً في المدينة!

هل سألتيهما لماذا لم يغادرا المدينة في ظل هذه الظروف؟

لم يكن لدينا وقت للتحدث، يجب أن نعيد الجرحى للخلف. كما ينبغي علينا أن نثمّن كل اللحظات و نستفيد منها. عندما وصلنا إلي مقرّنا، شاهدنا أن مساحة المنزل الذي نستقر فيه مكتظ بالجرحي. كما كانت الغرفة مملوءة بالجرحي أيضاً.كان الطبيب و صديقتي وحيدان في مهمتهما. قلت : «دكتور جلب إلينا بعض المصابين» لقد جئنا بهم بمساعدة ذلك الشخص المتواجد في المبني. لا يوجد مكاناً لهم هناك. أردنا أن نضعهم في فناء المبني و أن نجلب هؤلاء الجرحي عن طريق العربة.    كان الطبيب مستاء جداً و قال: «إذا لم يصلوا هؤلاء إلي آبادان سيستشهدون». قال لي: «إبحثي عن سيارة وعودي بهم للخلف». قلت للطبيب: « لايمكن فعل هذا. وضع المدينة مرتبك للغاية. لايمكن العثور علي سيّارة. كان الطبيب يصرّ علي هذا الأمر. من أجل أن لا تتضعضع نفسياته جئت أمام الباب. أعلم لا توجد أي سيارة داخل المدينة. لتهدئة الطبيب جئت للحظات أمام الباب و توسلت بالسيدة أم البنين. كأنما أوحي إليّ أن أتوسّل بها. أقسمت عليها بأبنائها الأربعة حتي تأتينا سيارة لننقل الجرحي إلي مدينة آبادان. في هذه اللحظات رأيت سيارة تقترب منّا. وقفت أمامها بشكل سريع. وضعنا الجرحي داخلها. كان من المقرر أن أذهب معهم. أوصي الطبيب قائلاً:« قل لأطباء المستشفي أن يقوم بعملية جراحية لهؤلاء الجرحي فوراً». بصعوبة أوصلناهم لمدينة آبادان. كانت المدينة ترزح تحت الحصار الجائر. من كل حدب و صوب يهاجمها البعثيين، نسمع أصواتاً رهيبة جداً. لقد وقعت حرباً ضارية بين الإيرانيين و البعثيين في سوح القتال. كانت السيارة تمرّ من تحت وابل من الرصاص. كان هنالك الكثير من الإنزلاق بسبب الأشياء الموجودة علي سطح الشارع. يجب علينا القيام بأنشطة بدنية كثيرة. أقوم بعلاج أعضاء الجرحي كي لا تتلف أكثر فأكثر. لقد تعرفت علي طاقم المستشفي، حتي أنتقل الجرحي لمستشفي طالقاني بشكل سريع و أن لا أمانع من هذا الأمر. نقلت الجرحي إلي خلف باب غرفة العمليات الجراحية، ناديت الطبيب و نقلت له ما قاله الدكتور صادقي.

لماذا يعرفك طاقم المستشفى؟

كنت على معرفة بموظفي المستشفى لسببين. أحدها أنه بعد الثورة الإسلامية، كنت اعمل متطوعة في اللجنة الصحية التابعة لجهاد البناء و نذهب إلي القري المجاورة مثل جويبدة. نقدم خدمات للناس و ننتقل المرضي لمستشفي طالقاني لتلقّي العلاج.  من ناحية أخري أنشأوا قسماً في الهلال الأحمر تحت مسمّي عمل الناس مع القائم مقامية و التي يرأسها الدكتور كريم سلحشور آنذاك و تحتوي علي العديد من المجالات الثقافية والتعليمية والعلاجية حيث كنت أنشط في القسم العلاجي. في الواقع كان القسم العلاجي في آبادان تحت اشرافنا . نقوم حينها بانعكاس مشاكل المستشفي للقائم مقام حتي يتابع المشكلات الموجودة هناك.

ماذا حدث بعد إيصال الجرحى إلى المستشفى؟

قلت للسائق أن ينتظرني كي أعود معه ثانية إلي مدينة خرمشهر. إنطلقنا بعد ذلك نحو المدينة. في مدخل مدينة خرمشهر قمنا بجلب عدد من أفراد الشرطة في سيارتنا. بعد ما تخطينا مبني القائم مقامية، تعرضنا لإطلاق النار من قبل القوات البعثية التي كانت مختبئة بين الأشجار. بداية أصابوا السيارة حيث جُرح عدد من أفراد الشرطة. لقد سال حمام من الدم من داخل السيارة. بعدها مزقوا السيارة من كل جانب و استهدفونا أنا و سائقها. كما أطلقوا النار علي زجاج السيارة. قلت للسائق مصرة :«إذهب..إذا وقفنا سنقع أسري بين أيديهم». فقد السائق صوابه و يبدو عليه القلق بشكل كبير، عندما أطلق البعثيون الرصاص نحونا، توقف بشكل غير مبال، كما قالوا القوات الذين كانوا داخل السيارة له «إذهب و لاتتوقف».

أين كانت اصابتك؟

من كتفي إلي بطني. لقد تلقيت رصاصتين في جسمي. جُرحت في مساء الـ 25 من شهر مهر لعام 1359 و أجريت عملية جراحية في الـ 26 في مستشفي طالقاني.

كيف تم انقاذك من هجوم العدو؟

جاءت القوى التي قاتلت ضد البعثيين لمساعدتنا وفتحت الطريق لنا بإطلاق النار عليهم  .نزلت من السيارة لتفقد الجرحي الذين أصيبوا معنا لكني شعرت بدوار. لم أفهم ما حصل لي في تلك اللحظة. كان نزيفي شديداً جدّاً و فقدت وعيي حينها. أعادونا ثانية نحو آبادان. كانت السيارة تسير بشكل سيئ. لاأري شيئاً بعيني و أشعر بألم شديد للغاية. كما أسمع الأفراد داخل السيارة يقولون للسائق :«السيارة محاصرة، العراقيون يأتون نحونا!».قال أحدهم للسائق:« إذا توقفت ، فبدلاً من أن يقتلوك البعثيون ، سنلقي عليك رصاصة في رأسك.» لقد نقلونا إلي مستشفي طالقاني لتلقي العلاج.

بعد الشفاء و تحسن حالتكم الصحية، هل بدأت النشاط ثانية؟

نعم استمريت في عمل الإغاثة و المساعدة في مستشفي طالقاني و الشهيد بهشتي. بالطبع كان معظم نشاطي في مستشفي طالقاني. كنت أذهب إلي المستشفي لغاية السنوات الأخيرة من الحرب المفروضة حيث كنت أقوم بأنشطة ثقافية إلي جانب هذه الأعمال.

نشكركم علي إتاحة هذه الفرصة لموقع تاريخ إيران الشفهي لمقابلتكم.

 

النصّ الفارسي



 
عدد الزوار: 56


التعليقات

 
الاسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق:
 
ثلاثة كتب من المذكرات

«حَبّ الرّمان»، "ألست إيرانياً؟" و«ثلاثة عشر في سبعة»

من خلال دراسة هذا النص، سوف نتعرف على كتب «حبّ الرمان»، و«ألست إيرانياً» ؟" و«ثلاثة عشر في سبعة».هذه الكتب تحمل ذكريات عن فترة الحرب التي فرضها جيش صدام على الجمهورية الإسلامية. حبّ الرّمان يحتوي كتاب «حبّ الرمان» على مذكرات حسين كرامي. تم إعداد هذا الكتاب المؤلف من 414 صفحة في مكتب دراسات الثقافة والاستدامة في مدينة لرستان ونُشر عن طريق منشورات سورة مهر في عام 1396. أحد عشر فصلا من الفصول الاثني عشر من الكتاب، كل واحدة منها

الطلقة التي لم تنتصر بعد على الحياة

لم تُصنع بعد طلقة تنتصر على الحياة. حبّ الحياة هذا يُصغّر نار الحرب. يحقرها. وإن كانت الحربُ تأخذ اليفاعة من النساء، الأرواح من الرجال والطفولة من الأطفال، ولكن يبقى مصباح الحياة مضيئا حتى تحت الأسقف المنهدمة وتبقي الضوء أمام الانسان. إرادة الانسان لاستكمال الحياة بأي شكل كان هي اعلان رسمي من البشر لأصحاب الطلقات. تأتي الحرب لتأخذ الحياة، ولكن البشر هم ليس فقط لا يرضخون، بل يرتبطون بالحياة في أصعب الظروف ويتقدمون بها. حتى وإن كان كل ما يملكونه على
مقابلة مع السيدة نجمة جماراني،عنصر إغاثة في فترة الدفاع المقدس

مذكرات من أيام حصار مدينة آبادان و فدائي الإسلام

نجمة جماراني هي واحدة من الفتيات الشابات الناشطات طيلة 8 سنوات من الدفاع المقدس، إذ منذ بداية السنة الأولى من الحرب العراقية التي فرضت على إيران حتى نهايتها ، كانت إلى جانب الأنشطة الاجتماعية والثقافية الأخرى،قد تشارك في جهود الإغاثة في مناطق الحرب والمستشفيات في طهران. تواجدها أثناء الحصار الذي فُرض علي آبادان إبّان الحرب المفروضة و تعرفها علي مجموعة فدائي الإسلام آنذاك، كان السبب وراء تفقدها من قبل مراسل موقع تاريخ ايران الشفهي بإجراء مقابلة
عقد أول برنامج « ليلة مع كاتب»

بختياري دانشور برواية المذكرات

وفقاً لموقع تاريخ إيران الشفهي، أجري أول برنامج «ليلة مع كاتب» للراحل داود بختياري دانشوار من قبل مركز دراسات وبحوث الثقافة المستدامة في 12 من شهر اسفند لعام 1396 في صالة (تماشاخانه مهر) في المركز الفني. تحدث في هذا البرنامج ، مرتضي سرهنكي ، مؤسس مكتب الأدب وفن المقاومة  وداود أميريان كاتب قصصي وحامد خواجه وند ، ابن أخت الراحل بخيتاري دانشوار، عن ذكريات الكاتب. كاتب ماهر بجانب محارب شجاع كان المتحدث الأول السيد مرتضي سرهنكي وقال: قمنا بنشر
نظرة علي كتاب « خطر سقوط الإنهيارات الثلجية»

ثلاث مقالات عن ذكريات الحرب

«خطر سقوط الإنهيارات الثلجية: ثلاث مقالات عن ذكريات الحرب» ، صدر الكتاب الرابع تحت عنوان  موضوع دراسات الحرب عن مجموعة  كتاب هابيل. وصدر عن دار آرما للنشر في إصفهان حديثاً (بهمن 1396) للكاتب محسن حسام مظاهري. وأوضح مؤلف الكتاب في المقدمة أنّ: «مذكرات كتب الحرب هي أكثر الأعمال عدداً من حيث الأرقام والأعمال التي كتبت ونشرت من أي وقت مضى حول موضوع الحرب بين إيران والعراق». كل عام، يتم إنتاج عدد كبير من المذكرات الجديدة في أشكال مختلفة